مؤيد الدين الجندي
308
شرح فصوص الحكم
وسلَّم - وهذه الأمة التي هي خير أمّة أخرجت للناس ف * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ ) * « 1 » يجمع الأمر « 2 » في أمر واحد ، فلو أنّ نوحا أتى « 3 » بمثل هذه الآية لفظا ، أجابوه ، فإنّه شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية » . قال العبد : قد علمت أنّ سائر عبيد الله الكمّل - في المقامات التفصيلية النبوية - وحكمهم وحكمهم في شرائعهم منزلة من سماوات الأسماء التفصيلية الفرعية ، فمقتضى الحكم الإلهي الكلَّي في أمم قبلنا إنّما هو الطاعة والدعوة إلى التنزيه وتجريد التوحيد ، لكون القوم ملبّين على عبادة صنميّات الكثرة والتعديد ، وملبّين لدعوة حجابيّات الصور الأسمائية ، ذاهلين بالكلَّية عن الحقيقة الأحدية ، التي هي أصل الكثرة الفرعية والجمعية ، الموجدة الموحّدة للتفرقة العددية ، وحقيقة التحقيق في الجمع بين المرتبتين جمعا إطلاقيا وإطلاقا أحديّا . وإنّما وقعت واقعة الأصنام ، وعبادة الصور من عالم الأجسام ، لكون التجلَّيات التعيينية ، وظهور النسب المستهلكة للأعيان في عين الأحدية مرادة لله - تعالى - في أوّل الإرادة ، فظهرت حقائق الأسماء والنسب أوّلا في عالم الشهادة ، لأنّه أراد أن يعرف كمال العرفان ، وأن ينعت ويوصف ويظهر كلّ نسبة من نسب ذاته بلوازمها وإضافاتها وعارضاتها ولاحقاتها في صورة الجمع من عالم الملك والشهادة صورا ظاهرة متمايزة بشخصيّاتها ، متناظرة متشاكلة ومتنافرة بخصوصيّات ليست في صورة مظهرية عالم الأمر والملكوت ، القابلة لتجلَّيات الصور الأسمائية الفرقانية ، وكان في بدو الأمر توجّه المشيّة والإرادة إلى الظاهرية . فلمّا ظهرت صنميّات حجابيّات الأسماء ، وأخرجت الحضرات ما عندها من التجلَّيات ، وتوجّهت نفوس أهل تلك القرون الأول بمقتضى انبعاث التجلَّي الأوّل إلى عبادة صنميّات صور الأسماء ، وتوفّرت الرغبات إلى تلقّي الأنباء ، من حجابيّات
--> « 1 » الشورى ( 42 ) الآية 11 . « 2 » في بعض النسخ : يجمع الأمرين . وفي بعضها : فجمع الأمر في أمر واحد . « 3 » في بعض النسخ : فلو أنّ نوحا يأتي .